الشيخ محمد رشيد رضا

585

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 90 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 91 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ * * * بين اللّه تعالى في الآيات السابقة لهذه بعض ما رفع به من درجات إبراهيم ( ص ) ثم بين في هذه فضله ونعمه عليه في حسبه ونسبه ، وأعلاها جعل الكتاب والحكم والنبوة في ذريته ، فقال وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا أي ووهبنا لإبراهيم بآية منا اسحق نبيا من الصالحين ، ومن وراء اسحق ولده يعقوب نبيا نجيبا منجبا للأنبياء والمرسلين ، وهدينا كلا منهما كما هدينا إبراهيم بما آتيناهما من النبوة والحكمة وقوة الحجة . وتقديم « كُلًّا » على « هَدَيْنا » لإفادة اختصاص كل منهما بما ذكر من الهداية على سبيل الاستقلال لا التبع ، لان كلامنهما كان نبيا ، هاديا مهديا ، وانما ذكر اسحق من ولدي إبراهيم دون إسماعيل ، لأنه هو الذي وهبه اللّه تعالى له بآية منه بعد كبر سنه ويأس امرأته سارة على عقمها جزاء لايمانه واحسانه ، وكمال اسلامه لربه واخلاصه ، بعد ابتلائه بذبج ولده إسماعيل ، واستسلامه لا مرر به في الرؤيا من غير تأويل ، ولم يكن له ولد سواه على كبر سنه ، وقد ولد له من سرية شابة ، ولذلك قال تعالى بعد ذكر قصة الذبيح من سورة الصافات ( وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) وسنبين حكمة تأخير ذكر إسماعيل وذكره مع من ذكر من الرسل ( ع م ) وقال المفسرون والمؤرخون ان كلمة ( اسحق ) معناها ( الضحاك ) وقيل إن معناها الحرفي ( يضحك ) وقالوا إنه ولد ولأبيه مئة واثنتا عشرة سنة ، ولامه تسع وتسعون سنة ، وانه عاش مئة وثمانين سنة ، وقالوا إن معنى كلمة ( يعقوب ) الحرفي « أخذ العقب » والمراد يختلس ما يأخذه ، وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ أي وهدينا جده نوحا - هديناه من قبل إبراهيم إلى « تفسير القرآن الحكيم » « 74 » « الجزء السابع »